ابن يعقوب المغربي
506
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
حال استعمال الصيغة ، والإهانة لا يحصل فيها الفعل أصلا ، لوجوده وقبل ، بل الغرض منه إظهار أن لا محل لهم في المراعاة ، وتحقيرهم بإظهار قلة المبالاة ، والتحقير قريب من الإهانة ، وقد استعمل فيه الأمر في قوله تعالى - حكاية عن موسى - صلّى اللّه على نبينا وعليه وسلم - أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ " 1 " أي : أن ما جئتم به من السحر حقير بالنسبة للمعجزة ، وإنما قلنا قريب ؛ لأن كل محتقر في الاعتقاد أو في الظاهر فهو مهان في ذلك الاعتقاد ، أو الظاهر أي : مذلل ، ولو كانت الإهانة بالقول ، أو بالفعل غالبا ، والاحتقار كثيرا ما يقع في الاعتقاد ، والحاصل أنه إن شرط في الإهانة وهي التصغير إظهار ذلك قولا أو فعلا - كما أشرنا إليه فيما تقدم - فهي أخص من مطلق التحقير ، وإن لم يشترط فهما شيء واحد ، والعلاقة بين الأمر والتسخير والإهانة مطلق الإلزام ، فإن الوجوب إلزام المأمور ، والتسخير والإهانة إلزام الذل والهوان ، والصيغة فيهما تحتمل أن تكون إنشاء أي : إظهارا لمعناهما أو إخبارا بالحقارة ، والمذلة ، فكأنه على هذا قيل فيهم هم بحيث يقال فيهم أنهم أذلاء محتقرون ممسوخون ، وكونها للإخبار في الإهانة أظهر منه في المسخ - فتأمله . استعمال الأمر للتسوية ( و ) ك ( التسوية ) بين شيئين هما بحيث يتوهم المخاطب أن أحدهما أرجح كقوله تعالى : قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ " 2 " فإنه ربما يتوهم أن الإنفاق طوعا مقبول دون الإكراه ، فسوى بينهما في عدم القبول وكذا ( نحو ) قوله تعالى فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا " 3 " فإنه ربما يتوهم أن الصبر نافع فدفع ذلك بالتسوية بين الصبر وعدمه ، ويمثل بهذا للتسوية في النهى ، فالصيغة في المحلين ليس المراد بها الأمر بالإنفاق ، ولا الأمر بالصبر ، بل المراد كما دلت عليه القرائن التسوية بين الأمرين ، والفرق بين التسوية والإباحة أن الإباحة يخاطب بها من هو بصدد أن يتوهم المنع من
--> ( 1 ) يونس : 80 . ( 2 ) التوبة : 53 . ( 3 ) الطور : 16 .